هائل سعيد أنعم
نبذة
الحاجّ هائل سعيد أنعم (1320هـ/1902م – 27 رمضان 1410هـ/23 أبريل 1990م) رجل أعمال يمني، يُعدّ أحد أبرز رواد الصناعة والتجارة في تاريخ اليمن الحديث، ومؤسس مجموعة شركات هائل سعيد أنعم وشركاه التي تحوّلت من بسطة بقالة صغيرة في عدن إلى أكبر تكتّل اقتصادي يمني، وأحد أهم المجموعات العائلية في شبه الجزيرة العربية، بامتدادات صناعية واستثمارية في عشرات الدول حول العالم. جسّدت سيرته نموذج "الرجل العصامي" الذي بدأ من العدم عبر الهجرة والعمل الشاقّ، ثم رد الجميل إلى بلده بالاستثمار والعمل الخيري.
النشأة والأصل
وُلد هائل سعيد أنعم نحو عام 1902م (1320هـ) في قرية "قرض" بعزلة الأعروق، مديرية حيفان، بمحافظة تعز، ونشأ بين سبعة إخوة في أسرة متواضعة الحال عُرفت بالخير والصلاح، في مجتمع ريفي كانت الشحّة والفقر سِمته الغالبة في تلك الحقبة. تلقّى دروسه الأولى في كُتّاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم وتعلّم القراءة والكتابة، ولم يلتحق بمدارس نظامية. لم يرث مع إخوته عن والدهم سوى دار متواضعة، وأرض زراعية محدودة، ومعمل يدوي صغير لحياكة الملابس كان الإخوة الذكور يعملون فيه إلى جانب أبناء القرية.
بداية الهجرة: فرنسا (1923)
هاجر شقيقاه الأكبران، محمد وعبده، للعمل على ظهر باخرة فرنسية والتنقل بين موانئ العالم، وعاد محمد لاحقًا لمعاونة الوالد في القرية، بينما التحق هائل بأخيه عبده في عالم الاغتراب سنة 1923م. عمل بداية على متن باخرة فرنسية تعمل بالفحم الحجري، ثم انتقل للعمل في مدينة مارسيليا الفرنسية، حيث اشتغل في مصنع للزيت، وتذكر بعض المصادر أنه أمضى في فرنسا نحو عشر سنوات تدرّج خلالها حتى تولّى الإشراف على العمال لإخلاصه وتفانيه. وفي فرنسا التقى بالشيخ عبدالله الحكيمي وتأثّر به، فأخذ عنه الطريقة الصوفية العلوية التي اعتنقها ودعا إليها لاحقًا في أوساط الجاليات المسلمة المغتربة، وهو جانب روحي من سيرته لا يعرفه كثيرون.
الصومال وعدن: من العامل إلى التاجر (1936–1938)
بعد إجازة في القرية وعدن، وعلمه ببيع المصنع الذي كان يعمل فيه، اتجه هائل إلى الصومال سنة 1936م، حيث عمل وكيلًا لتاجر فرنسي يُدعى "باس" في تصدير الجلود من الصومال إلى أوروبا عبر عدن، منافسًا في ذلك تجارًا كبارًا. وسرعان ما التحق به ابن أخيه علي محمد سعيد لمعاونته، فوسّع الاثنان نشاطهما ليشمل استيراد المواد الغذائية والملابس من عدن وتسويقها في الصومال عبر محلّ افتتحاه لهذا الغرض. استمر العمل نحو عامين حتى تكوّن لدى هائل رأس مال كافٍ، فقرر إنهاء رحلة الاغتراب والاستقرار نهائيًا في عدن.
التأسيس في عدن (1938) وانطلاقة "المجموعة"
استقر هائل سعيد أنعم في عدن عام 1938م، وافتتح متجرًا متواضعًا للبيع بالتجزئة في منطقة المعلا، بمعاضدة أخويه عبده وجازم وابن أخيه علي محمد سعيد. تخصص العمل في مجالات البقالة وتجارة الجلود والمواشي بين عدن والصومال، وكانت هذه النواة الأولى لما صار لاحقًا يُعرف باسم "مجموعة شركات هائل سعيد أنعم وشركاه" (HSA Group).
في عام 1952م، ومع تخفّف القيود الاستعمارية التي كانت تقصر بعض أوجه الاستيراد على التجار الأجانب في مستعمرة عدن، توسّع هائل في نشاطه ليشمل تصدير المنتجات اليمنية الزراعية والحيوانية واستيراد سلع أجنبية متنوعة، منتقلًا من تجارة التجزئة إلى تجارة الجملة والاستيراد والتصدير والتمثيل التجاري العام للوكالات الأجنبية.
الموقف السياسي: تمويل ثورة 26 سبتمبر والنفي إلى تعز
لم يكن هائل سعيد أنعم بمعزل عن قضايا وطنه السياسية؛ إذ شارك في تمويل ثورة 26 سبتمبر 1962م التي أطاحت بالحكم الإمامي في شمال اليمن، وساهم في تجهيز المتطوعين للانضمام إلى الحرس الوطني للثورة. أثار هذا الموقف حفيظة الإدارة الاستعمارية البريطانية في عدن، فأمر المندوب السامي البريطاني بإبعاده من المستعمرة، فعاد إلى مسقط رأسه في تعز، التي أصبحت لاحقًا المركز الصناعي الأول لمجموعته.
التوسّع الصناعي وميلاد "الإمبراطورية"
منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين، ارتبط اسم هائل سعيد أنعم بالنشاط الصناعي الرائد في اليمن، حيث أُقيمت في منطقة الحوبان بتعز مجموعة من المصانع شكّلت القاعدة الصناعية للمجموعة، قبل أن يتوسّع نشاطها لاحقًا ليشمل عدن وصنعاء والحديدة وعددًا من المحافظات اليمنية الأخرى.
في إدارته لهذا الكيان المتنامي، فضّل هائل الإيثار على الأثَرة، فأتاح المجال لشركائه من الجيل الأول لإظهار مواهبهم، ثم استكمل الجيل الثاني من العائلة مسيرة البناء والتطوير. وتُوصف الشركة اليوم بأنها من أنجح الشركات العائلية في شبه الجزيرة العربية، معروفة بعلاقتها الوثيقة مع موظفيها التي تُشبَّه أحيانًا بنموذج الشركات اليابانية القائم على الرعاية شبه الدائمة للعاملين.
مجموعة هائل سعيد أنعم اليوم
تطوّرت مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه لتصبح أكبر مجموعة اقتصادية يمنية خاصة، بامتدادات واستثمارات وشركات تابعة في أكثر من أربعين دولة حول العالم، وتشير تقارير اقتصادية إلى أنها من بين أكبر منتجي الزيوت النباتية في العالم (وُصفت في تقارير بأنها ثاني أكبر منتج عالمي لهذه الصناعة). وتتنوع أنشطة المجموعة بين:
- الصناعات الغذائية: الزيوت النباتية والسمن والصابون، والمعجنات والبسكويت والحلويات (عبر شركات مثل الشركة الوطنية للبسكويت والحلويات)، وقد استحوذت المجموعة في السنوات الأخيرة على شركات إقليمية في هذا القطاع مثل "بسكو مصر".
- التجارة والاستيراد والتصدير والوكالات التجارية.
- الخدمات المالية والتقنية المالية: عبر شركات مثل "ون كاش" التي أُدرجت ضمن قوائم "فوربس الشرق الأوسط" لأفضل الشركات المالية في المنطقة.
- الزراعة والتنمية المجتمعية: عبر مبادرات مثل مختبر الابتكار الاجتماعي بالشراكة مع مؤسسة رواد لمعالجة تحديات القطاع الزراعي، وبرامج تأهيل الشباب مثل "شباب انطلاقة".
الشخصية والإرث الإنساني
تُجمع الشهادات المتعددة عن هائل سعيد أنعم على تواضعه الشديد رغم اتساع ثروته؛ إذ اشتهر بمشيته المتواضعة، ولباسه العربي البسيط وكوفيته الزنجبارية البيضاء غير المعقودة (وهي من علامات التواضع)، وبمعاملته الطيبة لعامة الناس الذين كانوا يبادلونه التحية في شوارع عدن. عُرف عنه حبّه للخير ومساعدة المحتاجين "دون أن تعلم شماله ما أنفقت يمينه"، وتجلّت روحانيته في بناء المساجد والوقف عليها وتشييد المدارس. أصبح اسمه على مرّ الزمن رمزًا للنجاح والعصامية والصدق والأمانة في الوسط التجاري اليمني.
الوفاة
توفي الحاج هائل سعيد أنعم يوم 23 أبريل 1990م، الموافق 27 رمضان 1410هـ، عن عمر ناهز الثمانية والثمانين عامًا، وذلك بعد عودته إلى قريته عقب أداء العمرة. شكّلت وفاته حدثًا مؤثرًا في الوجدان اليمني، ولا تزال ذكراه تُستعاد سنويًا في وسائل الإعلام اليمنية وعبر أحفاده وورثته الذين واصلوا قيادة المجموعة وتوسيع نشاطها ليمتد إلى آسيا وأوروبا وأفريقيا.
الأسرة
أنجب هائل سعيد أنعم عددًا من الأبناء الذين تولّى بعضهم قيادة المجموعة من بعده، ومن بينهم: أحمد، وعبدالرحمن، وعبدالواسع، وعبدالجبار، ونبيل، وفؤاد، وإبراهيم، ورشاد. كما ارتبط اسمه بأسرة ابن أخيه وشريكه المؤسس علي محمد سعيد، الذي كان له دور محوري في المراحل الأولى لتأسيس العمل التجاري في الصومال ثم عدن.