أحمد الشيبة

العود اليمني الذي غنى للعالم

وُلد الفنان اليمني أحمد الشيبة في 16 يونيو/حزيران 1990، وترعرع في اليمن بين أصوات المدن القديمة وعبق التراث اليمني، حيث تعلّم العزف على آلة العود بطريقة السماع المباشر دون الاعتماد على النوتة الموسيقية، منغمسًا في روح الموسيقى التقليدية منذ صغره. لقد حمل معه منذ تلك اللحظة حبًا عميقًا للعود، تلك الآلة التي ربطت بين قلبه وذكريات بلده، قبل أن يشرع في رحلة فنية طويلة تهدف إلى تعريف العالم بما تملكه آلة العود من جمالٍ لا يُحد.

في عام 2012، انتقل الشيبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ليس فقط لمواصلة مسيرته، بل لإظهار للعالم جمال آلته القديمة وروحها الموسيقية الفريدة، كما صرح في صفحته على "فيسبوك".

هناك، بدأ رحلة إعادة تعريف العود، عبر تجربة مزج الموسيقى اليمنية الأصيلة مع أنماط موسيقية غربية متنوعة، من البوب إلى الموسيقى الكلاسيكية، مثبتًا قدرة الآلة على تجاوز الحدود الثقافية والفنية.


المسيرة الفنية والإبداعية

تميز أحمد الشيبة بالقدرة على إعادة توزيع الألحان العالمية بأسلوبه الخاص على العود، فقام بإعادة تلحين أكثر من 45 أغنية عالمية لأسماء لامعة مثل مايكل جاكسون، إد شيران، وآلن والكر، محققًا أكثر من 110 مليون مشاهدة على يوتيوب، كما لاقت مقطوعاته صدى واسعًا على منصات البث مثل سبوتيفاي، آي تيونز، وأنغامي. ولم يقتصر اهتمامه على الأغاني الغربية فحسب، بل أعاد تقديم ألحانًا عربية شعبية ومأثورة بروح معاصرة، مثل فيديوهاته الشهيرة "رحلتي حول العالم العربي" و"رحلتي في اليمن"، إضافة إلى أغنية "اضحك على الأيام" لعلي بن علي الآنسي، والتي أصبحت أيقونة في المناسبات اليمنية مثل عيد الفطر وعيد الأضحى.

إلى جانب ذلك، قدم أحمد مع فرقته الموسيقية ألبومه الموسيقي بعنوان "مالاهايد"، الذي ضم 10 مقطوعات متنوعة، شاركه في تقديمها مجموعة من العازفين المحترفين: براين آدلر على الطبول، شانيير بلمنكرانز على البيس، طارق يماني على البيانو والأورغ، صلاح الدين ممدوسكي على الكلارينيت، وتامر بينارباسي على القانون، لتخرج الموسيقى في أبهى صورها، تمزج بين الأصالة اليمنية والحداثة العالمية.


الفنان والإنسان

لم يكن الشيبة مجرد موسيقي، بل كان رحلة إنسانية متكاملة. عُرف بطول الصمت وتأملاته العميقة، وبتواضعه وأدبه الجم، حتى مع كبار الموسيقيين، محافظًا على نقاء قلبه وحبه للفن بلا غيرة أو حسد. كان صديقًا للضحك البسيط، الشاي والحلويات، قادرًا على التحدث عن وجع أوتاره كما لو كان جزءًا من جسده وروحه، متفانيًا في كل عمل فني يقدمه.

وهو الذي قال: «الفنانون نوعان: رجل يريد الحفاظ على جمهوره، وآخر يريد أن يسافر بجمهوره إلى أراضٍ جديدة». وقد اختار أحمد دائمًا الخيار الثاني، ناقلاً جمهوره نحو فضاءات أوسع، وملهمًا بذلك الكثيرين ليجددوا مفهوم الموسيقى اليمنية في العالم.


العود بوابة العالم

من أبرز ما ميز أحمد الشيبة تجربته الفريدة مع العود، إذ لم يرَ فيه مجرد آلة موسيقية شرقية، بل جسراً بين الشرق والغرب. من خلال مقطوعاته، قدّم للعالم الجديد صوت اليمن بأصالة مدنها وموروثها، بدءًا من صنعاء القديمة مرورًا بالمغرب العربي وصولًا إلى الأمازيغ والعرب في مختلف البلدان. وكان حريصًا على أن تصل الموسيقى إلى المتلقي الغربي بصدق وعمق، مع لمسة تقليدية تبقى وفية لأصل العود وروحه.

وفي رحلته، لم ينسى جذوره اليمنية، فقدم معزوفات مستلهمة من المدن اليمنية المختلفة، موثقًا التراث الغنائي والموسيقي بطريقة تجمع بين الحداثة والمحافظة على الهوية. لقد استطاع بذلك أن يجعل العالم يسمع اليمن من قلب آلة العود، ويشعر بروح شعبها وثقافته.


الحضور الجماهيري والتقدير العالمي

تميز الشيبة بحضور قوي على مختلف المنصات، إذ وصل إلى جمهور واسع في الوطن العربي وأوروبا وأمريكا. وقد شارك في فعاليات ومهرجانات دولية مثل مركز الملك عبدالعزيز الثقافي في الظهران، حيث قدم ألحانه التي تمثل جسرًا ثقافيًا بين الشرق والغرب، مؤكدًا على أهمية تبادل الفن والحفاظ على التراث الموسيقي.

كما أن تواجده على الإنترنت ومنصات التواصل ساعده في نقل موسيقاه إلى ملايين المستمعين، وأصبح اسمه مرتبطًا بالابتكار والتجريب الموسيقي الذي يحترم الجذور ويحتضن التجديد في الوقت نفسه.


الوداع المفجع

وافته المنية إثر حادث سير في مدينة نيويورك الأميركية، يوم الأربعاء 28 سبتمبر 2022، لتنتشر الحزن والفقد بين محبيه وعشاق الموسيقى اليمنية والعربية، وسط تأكيد مصادر مقربة من عائلته. لقد فقد العالم فنانًا يمنيًا أصيلًا، لكنه ترك إرثًا موسيقيًا خالدًا، يعكس حبه لليمن وحرصه على إيصال أصوات بلده إلى أرجاء العالم.


إرث خالد

أحمد الشيبة لم يكن مجرد موسيقي، بل رمزًا للإبداع اليمني العالمي. ترك للعالم أكثر من مجرد ألحان، بل رسالة فنية وإنسانية عن الحب، والابتكار، والوفاء للأصل الثقافي. من خلال العود، علم العالم كيف يمكن للآلة التقليدية أن تتحدث بلغة عالمية، وكيف يمكن للفن أن يكون جسرًا للتواصل بين الشعوب والثقافات، بعيدًا عن الحدود والقيود.

لقد حمل الصنعاني كل الشرق الأوسط إلى أذن العالم الغربي بابتسامة، وعزف بما يشبه جدية الطفل البريء، مندمجًا مع الموسيقى، حاملاً رسالة تقول: «الفن لا يعرف حدودًا، والعود قادر على أن يغني للعالم كله».

أحمد الشيبة، إرث موسيقي خالد، ووعود ستستمر في التحدث ، يذكرنا بأن الفن هو لغة الروح، وأن اليمن يحتضن في قلبه مواهب لا تنطفئ، مهما طال الغياب.

شارك على منصات التواصل