راهب المخا

السيرة الذاتية والعملية للمهاجر اليمني في الولايات المتحدة الأمريكية (مختار الخنشلي) ربطت بين سمتين رئيستين في السردية اليمنية وهي الهجرة والبن. يقول محمد الكميم عن هذه الشخصية التي صارت موضوعًا في رواية عنوانها "راهب المخا"*.
يسرد العمل قصة كفاح حقيقية لشاب أمريكي يمني اسمه "مختار الخنشلي"، استطاع أن يخرج من أسوأ وأفقر حي في "تندرلوين" بـ "كاليفورنيا"، ويحقق لنفسه نجاحا بتكوين ثروة طائلة من وراء تجارة البن اليمني وإيصاله إلى أعلى تصنيف في الجودة والسعر العالميين، ولكن ذلك لم يكن ليتحقق لولا طموحه ومغامراته التي كادت أن تودي به أكثر من مرة. لقد قاده شظف العيش إلى العمل صغيرًا في موقف للسيارات، ثم إلى بائع في معرض لها، وانتقل، بعدها، إلى محل لبيع الأحذية والملابس ومحل آخر لبيع الفاكهة، ثم عمل في محطة بترول، وانتهى به الأمر إلى بواب لمبنى كبير يجاور تمثالًا لشخص يجمع بين الملامح اليمنية والإثيوبية وهو يشرب القهوة.

مختار الخنشلي

مصدر الصورة: https://www.aljazeera.net

هذا التمثال كان بمثابة الشرارة التي ألهمته فكرة تحقيق حلمه الذي ضحى من أجله بدراسته الجامعية؛ لأنه تفرغ، كليًا له، ودرس وتمرن في مقاهٍ ومعاهد لتصنيف جودة البن إلى أن أصبح مصنفًا عالميًا في جودته، وخبيراً بتاريخه وتجارته وأنواعه وأصنافه وطرق صناعته وتحميصه، وعارفاً ببلدان زراعته وطرق قطفه وتجفيفه وفصل نواته عن قشره، ومميزاً لطبقات النواة، ومتفننا في معرفة ما يُحسّن جودته وما يتلف حباته. لم يكتف “مختار” بما تقدم، ولكنه سعى إلى التعرف على طرق تجارة البن وأسعاره وأهم شركات تصديره وبيعه، كما تعرف على أهم المقاهي الأمريكية والعالمية التي تفننت في صناعته وتنويع نكهاته. كل ذلك لم يتحقق له إلا من خلال حرصه الشديد على حضور ندوات ومؤتمرات ومهرجانات مختلفة حول العالم كان البن مركز اهتمامها.بعد وصول مختار إلى اليمن عام 2015م سعى إلى الحصول على عينات كثيرة للبن استطاع جمعها من مختلف مناطق اليمن المشهورة بزراعته، ثم عاد بها إلى أمريكا؛ ليفحصها ويكتشف نسب جودتها. وعلى ضوء نتائج الفحص، عاد مجدداً إلى اليمن وعمل على استيراد أطنان كثيرة من البن ذي الجودة العالية التي تحقق له أرباحا طائلة وتعيد لليمن مجده وسمعته في إنتاجه وتصديره. لقد نجح، في ذلك، نجاحا كبيراً وتحقق له حلمه، إلا أن هذا النجاح صحبته مخاطر كثيرة وكبيرة تعرض لها في صنعاء وعدن ويريم والمخا وجيبوتي وأثيوبيا ومطارات أمريكا. هذه المخاطر، جعلته يؤمن بضرورة إحلال السلام في بلده- اليمن؛ لأن الحرب الأهلية الدائرة في اليمن منذ ثمانية أعوام و ما زالت رحاها تطحنهم إلى اليوم؛ الأمر الذي حمله على أن يطلق نداءه لكل اليمنيين عبر قميصه الذي كتب عليه: أن “انتجوا البن لا الحرب”، وحمله، أيضا على أن يجمع في حلمه وفي قصته بين غايته العملية التجارية تجاه نفسه وغايته الأخلاقية تجاه بلده- اليمن الذي يأمل أن تتغير صورته في أذهان الأمريكان والغرب من خلال ما قدمه ويقدمه وسيقدمه هو وغيره عنه.(*)- (راهب المخا) كتاب صدر في نسخته الإنجليزية عام 2018م، وهو من تأليف “ديف إيقرز - Dave Eggers” كاتب ومحرر وناشر أمريكي ولد سنة 1970 م. وقد ترجمه إلى العربية المترجم والشاعر اليمني “عبد الوهاب المقالح” وصدر بطبعته العربية الأولى عام 2019 م عن دار مدارك للنشر بالرياض.

هذا المقال منشور عن موقع: https://www.aden-tm.net/news/167405



أخبار أخرى